قراءة لـ "ذاكرة الماء، محنة الجنون العاري"، لواسيني الأعرج

Publié le 16 Mars 2014

رواية ذاكرة الماء

رواية ذاكرة الماء

 

أنهيت أمس قراءة "ذاكرة الماء، محنة الجنون العاري"، لواسيني الأعرج، التي تتكون من 507 صفحة، من الحجم المتوسط. اصدار رؤية للنشر والتوزيع. 

شخصية الرواية المحورية أستاذ جامعي وكاتب، يعيش خوفا دائما ومستمرا، إذ أنه مهدد بالقتل بسبب أوضاع الجزائر بعد دخولها في مسلسل الاغتيالات إبان موت العديد من السياسيين في فترة العشرية السوداء (كما أسموها)، حيث دخلت السلطة في صراع مسلح ضد فصائل ما أسموه بالإسلام السياسي، يتذمر البطل الذي يمثل الشريحة المثقفة التي يمارس عليها العنف سواء من طرف أصحاب الإيديولوجيات الأخرى المختلفة أو من طرف الإدارات والمجتمع ككل. قلت يتذمر من أوضاع البلاد وما آلت إليه، والتحولات الطارئة على المجتمع، والأفكار الجديدة التي يقول عنها أنها شحنت عقول الناس لتغير سلوكياتهم سلبيا، فافتقد المواطن الثقة والأمان وسط الجميع. 
بجانب العنف، فإن السياق العام يطرح مشكل الهوية، ويركز عليها الكاتب بشكل ملفت. حيث أن البطل أصر أن يعيش في بلاده وأن لا يرحل كما فعل العديد من زملائه، وفضل أن يبقى بالجزائر منتظرا، إما أن تتجاوز البلاد هذه المرحلة أو أن يُقتل من طرف من يعتبرونه شيوعيا مارقا، وقد حاول أن يتخذ جميع الاحتياطات ليحمي نفسه، (ترك مسكنه، وتنكر، وقلل من خرجاته، خاصة لما قتل صديقه الحميم يوسف)، فقد كان يقوم بكل هذه الاحتياطات كي لا يسهل على القاتلين عملية قتله كما يقول. 
الرواية تختصر كل أحداثها في برنامج يخص يوما واحدا من عمر البطل، ومنه ينطلق الكاتب إلى سرد ماضي البطل، وطفولته القروية، وحاضره وما يلازمه ويلاصقه، وكل ذكرياته الماضية التي استحضرها بشيء من الحنين.. كما تطرق في غمار هذا الاستحضار إلى كل المراحل التي مرت بها الجزائر بعد الاستقلال. وكان يوم البطل الذي يمثل كما قلنا زمن حدث الرواية، مشتملا على كتابة رسالة إلى زوجته مريم التي سافرت مع ولدهما ياسين إلى فرنسا مبتعدة بذلك عن خطر الأحداث التي في البلاد، فخرج إلى البريد كي يبعث لها الرسالة، ثم اشترى كتابا، وبعد ذلك انتقل إلى المطبعة ليستفسر عن روايته التي دفعها للطبع، ولم تطبع بعد بسبب ظروف وأوضاع البلاد، ثم التقى في المطعم بنادية (صديقة) ودار بينهما حوار... ثم حضر جنازة صديقه يوسف الذي قتل، وبين هذه الانتقالات يصف لنا الكاتب أن البطل يعيش حالة من الخوف والحذر، وهو حريص على حياته، ومتحدٍ هذا الوضع حتى ينهي برنامجه اليومي، ويعود إلى ابنته ريما في البيت، والتي بقيت معه وأصرت أن لا تسافر مع والدتها، لتعلقها بوالدها أكثر. 
أسلوب الرواية جميل ومؤثر أحيانا، ولغتها مرة تختار مستواها الرائع، ومرة تنزل إلى المباشر اليومي حيث تفقد رونقها وجمالها، كما أنها تلتصق بمصطلحات دارجة، وألفاظ نابية أحيانا على لسان الشخصيات طبعا. كما أعتقد أن الطبعة غير منقحة، فبها أخطاء كثيرة لا تليق بمستوى كاتب وأستاذ كواسيني الأعرج.

تلمح الرواية إلى اعتبار كل الدعاة الإسلاميين محرضين على الإرهاب، (محمد الغزالي/ عبد الحميد كشك..)، تميل إلى الدعوة إلى احتذاء النموذج الغربي في أسلوب الحياة ونمط العيش، والتأثر بأفكار لا تنسجم أصلا مع الإطار العام لمجتمع مفترض أنه مسلم أو محافظ على تقاليده وثقافته. طبعا نظرة الرواية كلها مسلطة على القناعات الدينية التي تشبع بها المجتمع الذي وصفه الكاتب، والتي لا نصيب لها من الوسطية والسماحة الإسلامية، ولكن في رأيي هذا لا يعني أن نمط الغربيين هو الحل، خاصة لو كان هذا النمط الجاهز فيه ما فيه مما يتناقض مع قيمنا الأخلاقية والدينية. من سيقرأ الرواية سيجد حتما هذه الأمور واضحة بينة، في تصرفات شخصيات الرواية وأفكارهم، وقناعتهم، وانتقاداتهم، ورغبة بطل الرواية إلى الرجوع إلى القيم الغربية التي تخلى عنها الجزائريون ما بعد الاستقلال. 

زمن قراءتها: من 03 إلى 14 مارس 2014.
أنهيت أمس قراءة "ذاكرة الماء، محنة الجنون العاري"، لواسيني الأعرج، التي تتكون من 507 صفحة، من الحجم المتوسط. اصدار رؤية للنشر والتوزيع. 

شخصية الرواية المحورية أستاذ جامعي وكاتب، يعيش خوفا دائما ومستمرا، إذ أنه مهدد بالقتل بسبب أوضاع الجزائر بعد دخولها في مسلسل الاغتيالات إبان موت العديد من السياسيين في فترة العشرية السوداء (كما أسموها)، حيث دخلت السلطة في صراع مسلح ضد فصائل ما أسموه بالإسلام السياسي، يتذمر البطل الذي يمثل الشريحة المثقفة التي يمارس عليها العنف سواء من طرف أصحاب الإيديولوجيات الأخرى المختلفة أو من طرف الإدارات والمجتمع ككل. قلت يتذمر من أوضاع البلاد وما آلت إليه، والتحولات الطارئة على المجتمع، والأفكار الجديدة التي يقول عنها أنها شحنت عقول الناس لتغير سلوكياتهم سلبيا، فافتقد المواطن الثقة والأمان وسط الجميع. 
بجانب العنف، فإن السياق العام يطرح مشكل الهوية، ويركز عليها الكاتب بشكل ملفت. حيث أن البطل أصر أن يعيش في بلاده وأن لا يرحل كما فعل العديد من زملائه، وفضل أن يبقى بالجزائر منتظرا، إما أن تتجاوز البلاد هذه المرحلة أو أن يُقتل من طرف من يعتبرونه شيوعيا مارقا، وقد حاول أن يتخذ جميع الاحتياطات ليحمي نفسه، (ترك مسكنه، وتنكر، وقلل من خرجاته، خاصة لما قتل صديقه الحميم يوسف)، فقد كان يقوم بكل هذه الاحتياطات كي لا يسهل على القاتلين عملية قتله كما يقول. 
الرواية تختصر كل أحداثها في برنامج يخص يوما واحدا من عمر البطل، ومنه ينطلق الكاتب إلى سرد ماضي البطل، وطفولته القروية، وحاضره وما يلازمه ويلاصقه، وكل ذكرياته الماضية التي استحضرها بشيء من الحنين.. كما تطرق في غمار هذا الاستحضار إلى كل المراحل التي مرت بها الجزائر بعد الاستقلال. وكان يوم البطل الذي يمثل كما قلنا زمن حدث الرواية، مشتملا على كتابة رسالة إلى زوجته مريم التي سافرت مع ولدهما ياسين إلى فرنسا مبتعدة بذلك عن خطر الأحداث التي في البلاد، فخرج إلى البريد كي يبعث لها الرسالة، ثم اشترى كتابا، وبعد ذلك انتقل إلى المطبعة ليستفسر عن روايته التي دفعها للطبع، ولم تطبع بعد بسبب ظروف وأوضاع البلاد، ثم التقى في المطعم بنادية (صديقة) ودار بينهما حوار... ثم حضر جنازة صديقه يوسف الذي قتل، وبين هذه الانتقالات يصف لنا الكاتب أن البطل يعيش حالة من الخوف والحذر، وهو حريص على حياته، ومتحدٍ هذا الوضع حتى ينهي برنامجه اليومي، ويعود إلى ابنته ريما في البيت، والتي بقيت معه وأصرت أن لا تسافر مع والدتها، لتعلقها بوالدها أكثر. 
أسلوب الرواية جميل ومؤثر أحيانا، ولغتها مرة تختار مستواها الرائع، ومرة تنزل إلى المباشر اليومي حيث تفقد رونقها وجمالها، كما أنها تلتصق بمصطلحات دارجة، وألفاظ نابية أحيانا على لسان الشخصيات طبعا. كما أعتقد أن الطبعة غير منقحة، فبها أخطاء كثيرة لا تليق بمستوى كاتب وأستاذ كواسيني الأعرج.
تلمح الرواية إلى اعتبار كل الدعاة الإسلاميين محرضين على الإرهاب، (محمد الغزالي/ عبد الحميد كشك..)، تميل إلى الدعوة إلى احتذاء النموذج الغربي في أسلوب الحياة ونمط العيش، والتأثر بأفكار لا تنسجم أصلا مع الإطار العام لمجتمع مفترض أنه مسلم أو محافظ على تقاليده وثقافته. طبعا نظرة الرواية كلها مسلطة على القناعات الدينية التي تشبع بها المجتمع الذي وصفه الكاتب، والتي لا نصيب لها من الوسطية والسماحة الإسلامية، ولكن في رأيي هذا لا يعني أن نمط الغربيين هو الحل، خاصة لو كان هذا النمط الجاهز فيه ما فيه مما يتناقض مع قيمنا الأخلاقية والدينية. من سيقرأ الرواية سيجد حتما هذه الأمور واضحة بينة، في تصرفات شخصيات الرواية وأفكارهم، وقناعتهم، وانتقاداتهم، ورغبة بطل الرواية إلى الرجوع إلى القيم الغربية التي تخلى عنها الجزائريون ما بعد الاستقلال. 

زمن قراءتها: من 03 إلى 14 مارس 2014.

Rédigé par سفيان بوزيد

Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :